في يوم 2 أكتوبر 2018، دخل الصحفي السعودي جمال خاشقجي القنصلية السعودية بإسنطبول، تركيا، للحصول على أوراق متعلقة بالزواج، ولم يخرج. بعد اختفاء جمال خاشقجي أنكرت السلطات السعودية معرفتها بمصيره، وبعدها بدلت الروايات، حتى أقرَّت أخيرًا بمقتل خاشقجي داخل القنصلية.

تنشر القسط هنا تقرير مقررة اللجنة الخاصة في الإعدامات الاستبدادية، والموجزة، والخارجة عن نطاق القانون في مقتل الصحفي جمال خاشقجي، يترجم لأول مرة بالعربية من قبل نشطاء متطوعين بالتعاون مع بودكاست “السعودية العظمى”.

يمكن تحميل وقراءة التقرير بالنقر هنا.

 

الملخص التنفيذي:

 

مسؤوليات الدولة

  1.  مثل قتل السيد خاشقجي قتلًا خارج نطاق القانون، وهو أمر تتحمّل مسؤوليته المملكة العربية السعودية. كما أن محاولة اختطافه أيضًا تمثّل انتهاكاً بموجب قانون حقوق الانسان الدولي.  ومن منظور قانون حقوق الانسان الدولي، فإن مسؤولية الدولة ليست فقط – على سبيل المثال – مسألة معرفة من من مسؤولي الدولة أصدر الأمر بقتل السيد خاشقجي؛ أو ما اذا كان هناك شخصًا أو أكثر أمر بعملية الاختطاف التي تحولت إلى حادثة قتل؛ أو ما اذا كان  المسؤولون اتخذوا المبادرة بأنفسهم أو خارج صلاحياتهم.
  2. كما إن قتل السيد خاشقجي مثل أيضًا انتهاكاً لاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، والتي سيشار إليها فيما بعد بـ (VCCR)، وحظر استخدام القوة في زمن السلم خارج نطاق الحدود (القانون العرفي وميثاق الأمم المتحدة). بقتل صحافي، فقد ارتكبت السعودية فعلًا لا يتناسب مع مبدأ جوهري من مبادئ الأمم المتحدة، وهو حماية حرية التعبير.  وعلى ذلك، يمكن القول بثقة أنها استخدمت القوة في سياق خارج نطاق الحدود “بطريقة لا تتسق مع أهداف الأمم المتحدة”.
  3. إضافة إلى ذلك، فإن ظروف مقتل السيد خاشقجي قد تمثّل تعذيبًا بموجب بنود اتفاقية مناهضة التعذيب، والتي صادقت عليها السعودية.  وأخيرًا، فإن مقتل السيد خاشقجي قد يشكّل أيضًا حتى هذا التاريخ اختفاءًا قسريًا، بما أن موقع جثته لم يحدد بعد.

 

المسؤولية الفردية

  1. حددت مقررة اللجنة الخاصة وجود دليل ذي مصداقية، ويكفل تحقيقًا إضافيًا في المسؤولية الفردية لمسؤولين من ذوي المستوى العالي، من بينهم ولي العهد.  وتحذّر من التركيز على تحديد هوية الآمر بالجريمة، مشيرةً إلى أن البحث عن العدالة والمحاسبة لا يقتصر فقط على العثور على مرتكب الجريمة، بل يتضمن البحث – أن لم يكن بشكل أولي– تحديد هوية أولئك الذين، في سياق الأمر بانتهاك القانون، استغلّوا أو فشلوا في القيام بالمسؤوليات المناطة بهم حسب مناصبهم في السلطة.

 

واجب التحقيق والحصانة القنصلية

  1. وجدت المقررة الخاصة أن كلا من التحقيقين اللذين أجرتهما السعودية وتركيا فشلا في تلبية المعايير الدولية فيما يتعلّق بالتحقيق في الوفيّات غير القانونية.
  2. تواجد المسؤولون السعوديون في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول من 6 إلى 15 أكتوبر، وهو الوقت الذي يُفترض فيه قيامهم بالتحقيق في جريمة القتل، ولكن لم تُعطى لمقررة اللجنة الخاصة أية معلومات حول الأدلة التي قد يكونوا قد جمعوها خلال هذه الفترة.  في 15 نوفمبر أعلن المدعي العام السعودي القليل مما اكتشفوه، إلا أن هذا الاعلان كان يفتقر إلى التفاصيل، ومقتصِرًا على ادعاءات عامة قليلة.  التصريحات الأخرى المتعلقة بأفعال ومسؤوليات أفراد بعينهم كانت خطوات مرحّب بها.  ولكن مقررة اللجنة الخاصة تشير إلى أن بعض هؤلاء المشار إليهم في هذه التصريحات وهوية الـ ١١ من الجناة الذين يحاكمون حاليًا لا تتطابق، بالإضافة إلى ذلك، فإن السلطات السعودية لم تكشف عن موقع جثة السيد خاشقجي.
  3. وجدت مقررة اللجنة الخاصة أنه بموجب بنود اتفاقية (VCCR)، فإن السلطات السعودية لم تكن ملزمة قانونا بالسماح للمحققين الأتراك بالدخول إلى مبنى القنصلية، ولكن السعودية كانت ملزمة دوليًا بالتعاون مع السلطات التركية في التحقيق في مقتل السيد خاشقجي، ذلك التعاون يستلزم بالضرورة السماح للسلطات التركية بالدخول إلى القنصلية بسرعة وفعالية وبحسن نية، حيث أن الحصانة القنصلية لم يكن المقصود بها أبدا تمكين الافلات من العقاب.
  4. وجدت مقررة اللجنة الخاصة دليلًا ذا مصداقية يشير إلى أن موقع الجريمة قد تم تنظيفه بعناية، وبمعرفة الطب الشرعي، مما يشير إلى أن التحقيق السعودي لم يتم بنية حسنة، وهو الأمر الذي قد يرقى إلى مستوى إعاقة سير العدالة.
  5. أتيح للمحققين الأتراك، مصحوبين بالمحققين السعوديين، دخول القنصلية فقط في ١٥ أكتوبر ولمدة ٦ ساعات، ولمقر القنصل في ١٧ أكتوبر لمدة ١٣ ساعة، حيث توجّب عليهم تفتيش كامل أسطول السيارات التابع للقنصلية، واقتصرت تحقيقاتهم العلمية والجنائية على “المسح القطني”، ولم يُسمح لهم بتفريغ بئر في المقر.  رغبة السعودية في حماية العمل في القنصلية، لا يمكن أن تبرر القيود التي فرضتها على المحققين الأتراك.
  6. قرر المحققون الأتراك عدم تفتيش القنصلية السعودية دون إذن من السلطات السعودية، وقد وجدت مقررة اللجنة الخاصة أن هذا الأمر مناسبًا للمضي قدمًا؛ حيث أن أي استثناء لاتفاقية (VCCR)، كان سيشكل انتهاكًا غير ضرورياً لحرمة مبنى القنصلية السعودية، ومخالف لمقاصد التحقيق.
  7. كذلك، فقد وجدت المقررة أن مخاوف تركيا من تصعيد الموقف وحدوث رد فعل انتقامي، يعني أن سيارات القنصلية ومقرات القنصل أيضًا لم يتم تفتيشها دون إذن، بالرغم من أن الحماية الصادرة بموجب اتفاقية (VCCR) لا تشملهم.
  8. تأسف مقررة اللجنة الخاصة لما يبدو من عدم قيام أي دولة أو هيئة دولية أخرى بعرض “التوسط” بين الطرفين لتسريع وتفعيل الدخول لموقع الجريمة، حيث كان من الممكن أن يقلل ذلك أيضًا من تصعيد حدة الأزمة، وفي نفس الوقت يحمي اتفاقية (VCCR)، وحقوق الإنسان، ويتطرق كذلك إلى المخاوف التي قد تثار من حدوث ردود فعل إنتقامية. وبدلًا من ذلك، يبدو أن الدول الأخرى الأعضاء فكروا فقط في مصالحهم الدولية والاستراتيجية، كذلك فقد ارتأت الأمم المتحدة إما عدم وجود وسائل واضحة تمكنها من التدخل، أو اختارت عدم التدخّل، وبالنظر لما حدث، فمن الواضح أن تحقيق العدالة والمحاسبة لجمال خاشقجي كانتا الضحية الأكبر لهذه الاعتبارات.

 

واجب الحماية والتحذير

  1. بناءًا على مصداقية تناول المعلومات، استنتجت مقررة اللجنة الخاصة أنه لا يوجد دليل كافٍ للتلميح بأن تركيا أو الولايات المتحدة علِمت، أو كان عليها أن تعلم، بوجود تهديد حقيقي وحتمي أو متوَقَّع لحياة السيد خاشقجي، بل كان هناك دليل ذو مصداقية عن تعرض السيد خاشقجي للاعتقال في حال عودته إلى السعودية، أو استدراجه لهناك، وربما اختفائه أو اصابته سوء. هذه المخاطر لم تكن موجودة أثناء تواجده في بلدي إقامته، أي الولايات المتحدة وتركيا.  لم تحصل المقررة على أدلة ذات مصداقية بأن سلطات الولايات المتحدة التقطت محادثات ولي العهد السعودي أو أن تلك الإلتقاطات تم تقييمها قبل توقيت قتل السيد خاشقجي.
  2. إن عملية قتل السيد خاشقجي أبرزت المخاطر التي قد يتعرض لها المعارضون في الخارج من عمليات سرية قد تقوم بها سلطاتِ دولهم الأصلية أو عملاء أجانب يتعاونون معها. على الدول التي اختاروها لتكون مقرا لإقامتهم أو منفى لهم واجب احترام حقوقهم الانسانية، وحمايتهم من العنف الذي قد يتعرضون له من الدول التي هربوا منها.  هذا الواجب يتضّمن على وجه التحديد مايلي:

(أ)       تفعيل واجب الحماية متى علمت الدولة، أو توجب عليها العلم، بوجود خطر وتهديد حقيقي وآني على حياة شخصٍ ما.

(ب)     هذا الواجب في الحماية يشمل، ولا يقتصر على، تحذير الفرد من وجود تهديد حتمي على حياته.

(ج)     واجب الحماية، والذي يتضمن واجب التحذير، هو واجب مفروض على جميع الوكلاء والمؤسسات التابعة للحكومة، وبالتالي يتضمّن وكالات الاستخبارات.

(د)      إن واجب الحماية يُطبَّق بغض النظر عن الحالة القانونية للمواطن أو الأجنبي على أراضي تلك الدولة.

(ه)     إن واجب الحماية، والذي يتضمن واجب التحذير، يتطلّب أن يأخذ تقييم المخاطر بعين الاعتبار احتمالية أن يكون شخص ما بالتحديد عرضةً للخطر بسبب هويّته أو نشاطاته، كالصحفيين أو المدافعين عن حقوق الإنسان.

(و)      إن واجب الحماية، والذي يتضمن واجب التحذير، يمكن تفعيله خارج نطاق الحدود، عندما تمارس دول نفوذها أو سيطرتها على تمتّع الفرد في حقه في الحياة.

 

واجب المقاضاة والتعويض

  1.  أخذت المملكة العربية السعودية خطوات خجولة في سبيل التطرّق إلى مسؤولياتها كدولة فيما يتعلّق بالمقاضاة والإصلاح، ولكن هذه الخطوات أقل مما يتطلبه القانون الدولي، وأكثر مايقلق هنا، هو وجود ثغرة في المحاسبة، نظراً لكونها جريمة تلقّت اهتمامًا واحتجاجاً دولياً غير مسبوق، وتنديدًا عالميًا رسميًا في العالم كله.
  2. على الرغم من إن المحاكمة الجارية في السعودية لـ ١١ من المشتبه بهم في مقتل السيد خاشقجي، تعتبر خطوة مهمة نحو المحاسبة، إلا أنها تفشل في تلبية المعايير الإجرائية والجوهرية. فالمحاكمة تجري خلف أبواب مغلقة، ولم يتم الإعلان عن هوية المتهمين ولا عن هوية من يواجهون حكم الإعدام.  وحتى وقت كتابة هذا التقرير، فإن هناك على الأقل شخص واحد تم تعريفه كمسؤول عن تخطيط وتنظيم إعدام السيد خاشقجي، لم توجّه إليه تهمة.
  3. على الرغم من توجيه حكومة السعودية الدعوة لممثلين من تركيا، ومن دول أعضاء دائمين في مجلس الأمن لحضور بعض جلسات الاستماع على الأقل، إلا أنه قيل لمقررة اللجنة الخاصة أن مراقبة هذه المحاكمة مشروط بالموافقة على عدم الإفصاح عن تفاصيلها. لا يمكن أن توفر مراقبة المحاكمة تحت هذه الظروف مصادقة واقعية للإجراءات أو للتحقيق بحد ذاته.  والأمر المقلق بالذات، بحكم هوية المراقبين – أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يمكن أن يكون بذاته متواطئًا فيما يمكن أن يرقى لمستوى إجهاض للعدالة.
  4. بالاطلاع على ملاحظاتها حيال محاكمة المشتبهين الـ١١ في السعودية، فإن مقررة اللجنة الخاصة تدعو إلى تعليق المحاكمة.
  5. حتى تاريخه، فقد فشلت السعودية في الإقرار العلني بمسؤوليتها عن مقتل السيد خاشقجي، وفشلت في تقديم اعتذار إلى أسرة خاشقجي وأصدقائه وزملائه بشأن موته والأسلوب الذي تم به قتله. استلمت مقررة اللجنة الخاصة معلومات حيال صفقة مالية قُدِّمت لأبناء السيد جمال خاشقجي، ولكن الشك مثار حول ما إذا كانت هذه الصفقة تعتبر تعويضًا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
  6. إن إعادة هيكلة وكالات الاستخبارات التي أعلن عنها الملك سلمان ليست كافية، فلم يكن هنالك معلومات لاحقة تشرح باسهاب أثر إعادة الهيكلة (أو أي إجراء آخر) بالنسبة لبعض الأمور المقلقة، والتي منها علي سبيل المثال كيفية اتخاذ القرار، أو تدريب أجهزة الأمن، أو المعايير الإخلاقية الموضوعة لهم. بدلًا من ذلك، يُتَوَقّع من المملكة العربية السعودية عدم تكرار ماحدث، والذي يشمل: إطلاق سراح كافة المسجونين بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم ومعتقداتهم؛ التحقيق في كافة ادعاءات التعذيب واستخدام القوة المُمِيت في الأماكن الرسمية وغير الرسمية للاعتقال؛ التحقيق في كافة ادعاءات الاختفاءات القسرية والإعلان عن مواقع الأفراد المختفين.  كما يجدر أيضًا بها القيام بتقييم عميق للأشخاص والمؤسسات والظروف التي مكنت من اعدام السيد خاشقجي، وذلك للمضي قدماً نحو تجديد الاصلاحات اللازمة وضمان عدم التكرار.

 

الولاية القضائية العالمية

  1. تعتقد مقررة اللجنة الخاصة أن مقتل السيد خاشقجي يشكّل جريمة دولية مما يستلزم مطالبة الدول بولاية قضائية عالمية. إن قتل السيد خاشقجي هو خرق لمعيار القانون الدامغ، ولاتفاقية (VCCR)، وللحظر على استخدام القوة في زمن السلم خارج نطاق الحدود. إن الظروف التي تم فيها الاعدام قد ترقى لمستوى التعذيب بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، كما أنها قضية اختفاء قسري مستمرة، حيث لم يتم تحديد موقع جثة السيد خاشقجي، وهي قضية تتعلق بصحفي في منفى اختياري، وإعدامه له تأثير دولي.

 

المحاسبة

  1.  مما يقلق مقررة اللجنة الخاصة تصعيب المحاسبة القانونية في اعدام السيد خاشقجي. فالمحاكمة الجارية في السعودية لن تنجح في تحقيق محاسبة ذات مصداقية.  لم تبدأ تركيا بعد في اتخاذ إجراءات مجاسبة، والآمال في إجراءات محاسبة ذات مصداقية تضعف في بلد كهذا له سجل ممارسات في حبس الصحافيين.  التحديات القضائية واستحالة إجراء محاكمة غيابية تعني أن محاكمةً في الولايات المتحدة ستواجه تحديات كثيرة.  تقدم مقررة اللجنة الخاصة عددًا من المقترحات لكيفية معالجة بعض هذه القضايا مع التحذير بأنه لا يوجد مقترح واحد يمكن أن ينجح لوحده في تحقيق محاسبة ذات مصداقية.
  2. مقررة اللجنة الخاصة تؤكد أن السعي نحو المحاسبة وتحقيق العدالة يجب أن يتضمّن وسائل أخرى، بما فيها وسائل سياسية ودبلوماسية ومالية ورمزية. كما أن الاحتفاء وإحياء ذكرى حياة جمال خاشقجي لها دور مهم في ضمان المحاسبة العامة في عملية إعدامه.