تاريخ النشر: 09/04/2026

تُسلّط سلسلة "شهادات" الضوء على روايات شخصيّة لانتهاكات تم التعرض لها في السعودية، يشاركها أفراد يقيمون حاليًا خارج البلاد ويتمتعون بقدرة أكبر على التعبير بحرية. تُعرض كل شهادة بكلمات الضحايا أنفسهم، وتعكس تجاربهم ووجهات نظرهم الشخصيّة، ولا تعبّر بالضرورة عن مواقف القسط لحقوق الإنسان.

"أرغب في الحفاظ على عدم الكشف عن هويتي لأسباب أمنيّة.

أبلغ من العمر 40 عامًا (حتى أكتوبر 2025)، وأنا مواطن من لوكسمبورغ، وبالتالي مواطن في الاتحاد الأوروبي. أودّ أن أبلغ عن احتجازي التعسفي في السعودية. ومن خلال هذه الشهادة، أسعى إلى توثيق تجاربي، ووصف الآثار النفسيّة الشديدة التي ترتبت عليها، وتسليط الضوء على القمع السياسي الواسع النطاق في السعودية. كما آمل في الحصول على الدعم، والتقييم القانوني، وجذب الانتباه الدولي إلى هذه الأوضاع.

كما أودّ أن أطلب الدعم لزميلي في الاحتجاز عمر عبد الفتاح (مواطن فرنسي)، المحتجز ظلمًا في سجن سياسي.

الاعتقال

كنتُ في السعودية بين عام 2018 ونوفمبر 2023 لأغراض دراسيّة. وفي 18 نوفمبر 2023، تم اعتقالي في المدينة المنورة من قبل جهاز الأمن الرئاسي دون أي استدعاء أو توجيه تهم رسمية. وقد شكّل الاعتقال بحد ذاته استعراضًا للقوة ووسيلة لترهيب السكان المحليّين. كنتُ متواجدًا في المبنى لأداء صلاة الظهر برفقة ابنتي البالغة من العمر ثلاث سنوات، ولاحظت وجود عدد كبير من سيارات الشرطة (حوالي 15 سيارة)، بالإضافة إلى عدّة مركبات رباعية الدفع ذات نوافذ مظللة. في البداية تساءلت عمّا قد يكون قد حدث، قبل أن يطلب مني أحد العناصر بلباس مدني، برفقة رجال ملثمين ومدججين بالسلاح، إبراز هويتي، ليقوم بعدها باعتقالي.

طُلب مني على الفور، في موقع الاعتقال، تزويدهم بالرمز السري لهاتفي المحمول، وقد استجبت لذلك دون تردد لأنني لم يكن لدي ما أخفيه. تم نقلي أولًا إلى شقتي، حيث جرى احتجاز زوجتي وبناتي الثلاث في غرفة أخرى. وبعد تفتيش الشقة، تمت مصادرة جميع أجهزتي الإلكترونية. بعد ذلك، جرى تفتيش مركبتي بحضوري، ولم يتم العثور على أي شيء مريب.

الاحتجاز في المدينة المنورة

تم وضعي في البداية داخل زنزانة رمادية اللون ذات نافذة صغيرة جدًا، بالكاد تسمح بتمييز الليل من النهار، وكانت تحتوي على مرحاض ومغسلة. كانت الزنزانة شديدة البرودة. كنتُ خاضعًا للمراقبة على مدار الساعة بواسطة كاميرا، وقضيت 23 يومًا في الحبس الانفرادي. كان الطعام يُمرر إليّ عبر باب الزنزانة، ولم يكن لدي أي تواصل مع الآخرين، باستثناء المحقق الذي استجوبني عدّة مرات. كما كنتُ مقيّد اليدين ومكبّل القدمين، ويتم اقتيادي لمسافة تقارب 100 متر عبر الممر. تمحورت أسئلته حول أشخاص في لوكسمبورغ، والمساجد التي كنت أرتادها هناك، والعلماء الذين حضرت دروسهم في المسجد النبوي في المدينة المنورة. وعندما سألت عن التهم الموجهة إليّ، وعن الجريمة التي يُزعم أنني ارتكبتها، ولماذا أُحرم من حريتي، لم أتلقَّ أي إجابة.

خلال الاستجواب الثاني، سُئلت عن سبب عدم امتلاكي حسابات على فيسبوك أو تويتر أو أي من وسائل التواصل الاجتماعي. فأجبت بأنني لا أملك وقتًا لمثل هذه الأمور، وأنني كنت هناك للدراسة، لا لإضاعة الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي.

النقل إلى سجن ذهبان في جدة

بعد 23 يومًا من الحبس الانفرادي، تم وضعي على متن طائرة صغيرة مع تغطية رأسي بقناع. وكان على متن الطائرة أيضًا شخص صغير السن، يُقدّر عمره بنحو 13 إلى 14 عامًا، إلى جانب عدد من المحتجزين الآخرين. وأعلم ذلك لأن القناع أُزيل عن وجه ذلك الفتى، وقد بدا واضحًا أنه صغير جدًا في السن، وتمكنت من رؤية ملامحه من خلال فتحة صغيرة في القناع الذي كان يغطي رأسي. أما بقيّة المحتجزين، فكانوا جميعًا يضعون أقنعة على رؤوسهم، ومثلي تمامًا، كانوا مقيّدي الأيدي والأرجل. بعد ذلك، تم نقلي إلى سجن ذهبان السياسي في جدة.

وهناك، قضيت 17 يومًا إضافيًا في الحبس الانفرادي تحت مراقبة مستمرة عبر كاميرات، في ظروف مماثلة لتلك التي عشتها في السجن السابق. وخلال هذه الفترة، سُمح لي بإجراء مكالمتين هاتفيتين قصيرتين فقط، إحداهما لم تتجاوز دقيقة واحدة، وطُلب مني خلالها التحدث باللغة العربية (رغم أن زوجتي لا تجيدها جيدًا). وخلال وجودي هناك، طُلب مني تزويدهم ببيانات الدخول إلى حسابات بريدي الإلكتروني، وقد استجبت لذلك فورًا، لأنني كنت أعلم أنني لم أرتكب أي خطأ ولم يكن لدي ما أخفيه.

تلا ذلك احتجازي لمدّة تسعة أشهر في غرفة مشتركة تضم 14 شخصًا، في ظروف قذرة وغير إنسانية. لم يكن لدينا سوى حمّام واحد ودش واحد يعملان، ومقص أظافر واحد فقط لجميع النزلاء (ما كان يشكّل خطرًا مرتفعًا لانتقال العدوى)، وكان يُوزَّع مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع. لم تكن هناك أي خصوصيّة، وكنا خاضعين لمراقبة مستمرة عبر الكاميرات. كما سُمح لنا بالخروج إلى الهواء الطلق مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا فقط، ولمدّة لا تتجاوز 30 دقيقة في كل مرة.

بعد نقلي إلى الغرفة المشتركة، سُمح لي بإجراء مكالمة هاتفية لمدّة 15 دقيقة أسبوعيًا، كما تلقيت زيارتين عائليتين (من زوجتي وأطفالي)، استغرقت كل منهما 45 دقيقة. وكانت الزيارات تتم عبر حاجز زجاجي، ويتم التواصل من خلالها عبر الهاتف. وكانت هذه الزيارات مؤلمة نفسيًّا للغاية، خاصّةً بالنسبة لي كأب.

كما زارني في السجن ممثل عن القنصلية البلجيكية. ورغم هذه الزيارة، لم تُتخذ أي خطوات لتقصير مدّة احتجازي أو تحسين ظروفي. وقد اقتصر حضور القنصل على طابع رمزي، إذ بقي وضعي دون تغيير.

بقيت في هذا السجن حتى ترحيلي في 16 سبتمبر 2024.

وقد تسببت هذه التجربة برمتها في صدمة نفسيّة شديدة، تمثلت في الأرق، والقلق، والاكتئاب، وصعوبة التركيز، إضافةً إلى شعور دائم بالملاحقة والمراقبة، وعدم القدرة على الشعور بالطمأنينة حتى بعد استعادة حريتي.

حجم الاعتقال السياسي في السعودية

تم تخصيص رقم السجين 45-2900 لي. وكان لزميلي في الزنزانة، المواطن الفرنسي عمر عبد الفتاح، الذي شاركني الاحتجاز لمدّة تقارب ثلاثة أشهر، الرقم 45-6400.

تشير هذه الأرقام إلى السنة الهجرية 1445، والتي تمتد من يوليو 2023 إلى يونيو 2024. ويعني ذلك أنه تم تسجيل أكثر من 6,000 سجين سياسي خلال عام هجري واحد فقط ضمن هذا النظام العددي وحده.

ويكشف ذلك عن الحجم الواسع والمنهجي للاعتقال السياسي. ففي هذا النظام، يُختزل السجناء إلى مجرد أرقام، تُمحى هويتهم، وتُزال أسماؤهم من الذاكرة العامة. إنه أشبه بغوانتانامو: نظام قائم على القمع، يمتد أثره ليطال حتى المواطنين السعوديين.

مزيد من المعلومات حول عمر عبد الفتاح

تم اعتقال عمر عبد الفتاح، وهو مواطن فرنسي، بسبب مخالفات تتعلق بالتأشيرة، وذلك بعد أن وقع، على ما يبدو، ضحية لعمليات احتيال مرتبطة بالتأشيرات، ما أدى إلى أدائه فريضة الحج دون تصريح نظامي. وعند مدخل المسجد الحرام في مكة، صرّح لأحد الجنود بأن بعض العلماء المسلمين يجيزون أداء الحج سواء بوجود تأشيرة أو بدونها، وأن بعض هؤلاء العلماء أنفسهم محتجزون في السعودية. وعلى إثر ذلك، تم اعتقاله فورًا ونقله إلى سجن ذهبان، حيث التقيت به.

وخلال الشهرين اللذين قضيناهما معًا، كان عبد الفتاح يُستدعى مرارًا للاستجواب. وقد أخبرني بأنه تعرّض لضغوط شديدة للكشف عن الرمز السري لهاتفه. كما هدده المحقق بالحكم عليه بالسجن لمدّة 15 عامًا في حال عدم الامتثال، وذلك في إطار حملة ترهيب واضحة.

كما لم يكن قادرًا ولا راغبًا في الإفصاح عن الرمز السري، إذ كان هاتفه يحتوي على بيانات حساسة تعود إلى جهات عمله وشركائه التعاقديّين، بعضهم في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وكان كشف هذه البيانات يُعد جريمة بموجب قوانين تلك الدول.

وعلى الرغم من زيارة القنصلية الفرنسية له، لم يترتب على ذلك أي تحسن في وضعه أو ظروف احتجازه. وقد طلب مرارًا الحصول على مقص أظافر خاص به خشية الإصابة بالتهاب الكبد، ورفض استخدام المقص المشترك. وعندما لم يُستجب لطلبه، اضطر، تحت وطأة اليأس، إلى قضم أظافر يديه وقدميه بأسنانه.

حالات أخرى من السجناء السياسيّين

في السجن، التقيت بعدد كبير من المحتجزين الذين كانت لديهم قصص مشابهة:

  • محمد (X) قام برش طلاء على صورة للملك، فحُكم عليه بالسجن لمدّة 13 عامًا.
  • الدكتور محمد (XY)، وهو طبيب أسنان، سُجن بسبب إعادة نشر صورة لطفل فلسطيني، مرفقة بتعليق لم يكن قد قرأه على ما يبدو.
  • الدكتور محمد، طبيب تخدير، قام بـ"الإعجاب" بمنشور يصف ]الرئيس المصري الأسبق[ محمد مرسي بـ"الشهيد" و]الرئيس الحالي[ عبد الفتاح السيسي بـ"القاتل"، فحُكم عليه بالسجن لمدّة ثلاث سنوات. كما أدت تعليقات أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي، وعمليات "إعجاب"، ومنشورات دينية، إلى صدور حكم إجمالي بحقه تجاوز 20 عامًا.
  • محمد (XX) نشر صورة لأطفال في غزة وأشاد بسياسيّين فلسطينيّين، فاعتبرته السلطات داعمًا للإرهاب. وكان محمد (XX) بطلًا عالميًا في الكاراتيه وشخصًا غير منخرط في السياسة على الإطلاق.

تُظهر هذه الحالات أنه يكفي بضع كلمات، أو ضغطة "إعجاب"، أو تعليق واحد فقط، ليُعامل الشخص كسجين سياسي.

تم وضعي في جناح مخصّص للأجانب، وكان يضم نحو 14 غرفة. وكان في السجن أكثر من 20 جناحًا مماثلًا. وكان هناك جناح مخصّص للنساء وآخر للأطفال. وقد رأيت بنفسي عددًا كبيرًا من الأطفال وبعض النساء في عيادة السجن.

الخلاصّة ونداء للمساعدة

لقد تحمّلتُ عشرة أشهر من الاحتجاز السياسي في السعودية، دون توجيه أي تهم ودون صدور حكم قضائي.

ولا تزال الآثار النفسيّة والعاطفيّة لهذه التجربة تلازمني حتى اليوم. فأنا غير قادر على العمل، وقد خضعت للعلاج النفسي منذ ذلك الحين.

وعليه، أتوجّه بالنداء من أجل:

  • توثيق قضيتي، ولا سيما تقديم الدعم لعمر عبد الفتاح، المحتجز ظلمًا لأسباب سياسيّة، شأنه شأن العديد من الآخرين.
  • تسليط الضوء إعلاميًا والتدخل الدولي من أجل التحقيق في ظروف الاحتجاز الخارجة عن إطار القانون، ووضع حد لها.

إن هذه الشهادة تهدف، قبل كل شيء، إلى المساهمة في إنهاء الظلم الواقع على الأبرياء.

أشكركم جزيل الشكر على اهتمامكم، ووقتكم، وأي دعم يمكنكم تقديمه."

مشاركة المقال
تواجه النساء تمييزًا منهجيًا فيما يتعلق بأحكام الإعدام في السعوديّة، وفقًا لما خلصت إليه أبحاث جديدة
أفادت المنظمة الأوروبية السعوديّة لحقوق الإنسان، ومنظمة القسط لحقوق الإنسان، اليوم أن الاستخدام المتصاعد لعقوبة الإعدام في السعوديّة خلال العقد الماضي ألحق ضررًا منهجيًا بالنساء.
قيدٌ لا ينكسر: تقرير القسط لعام 2025 يكشف استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في السعوديّة
يؤكد التقرير السنوي لمنظمة القسط لعام 2025، الصادر اليوم، أنّه خلف الواجهة البراقة للسعوديّة المعاصرة ما تزال شواغل حقوقيّة جسيمة قائمة.
تحليل: فهم موجة الإفراجات الأخيرة عن المعتقلين في السعوديّة
بعد سنوات من مقاومة الدعوات الواسعة للإفراج عن معتقلي الرأي في السعوديّة، بدأت السلطات، في أواخر عام 2024، بالإفراج عن العشرات من هؤلاء الأفراد.