أفادت المنظمة الأوروبية السعوديّة لحقوق الإنسان، ومنظمة القسط لحقوق الإنسان، اليوم أن الاستخدام المتصاعد لعقوبة الإعدام في السعوديّة خلال العقد الماضي ألحق ضررًا منهجيًا بالنساء، ولا سيما العاملات المنزليات المهاجرات. ودعت المنظمتان السلطات السعوديّة، والدول المرسلة للعمالة، والشركاء الدوليّين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية النساء من طبقات متعددة من الظلم في القضايا التي تنطوي على عقوبة الإعدام.
ويتناول تقريران نُشرا بالتزامن من قبل المنظمة الأوروبية السعوديّة لحقوق الإنسان والقسط لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة استخدام عقوبة الإعدام في البلاد من منظور جندري وتقاطعـي. وتُظهر التقارير أن النساء في السعوديّة، ولا سيما النساء الأجنبيات، يواجهن أشكالًا متداخلة من التمييز وانتهاكات الحقوق والعوائق البنيويّة في كل مرحلة من مراحل الإجراءات، ضمن نظام قضائي معيب.
يستعرض تقرير المنظمة الأوروبية السعوديّة لحقوق الإنسان، المعنون "إعدامات النساء في السعوديّة: من حماية هشة إلى انتهاكات ممنهجة"، نطاق وحجم تنفيذ أحكام الإعدام بحق النساء في البلاد خلال العقد الماضي. ويخلص التقرير إلى أنه بين تولّي الملك سلمان السلطة في يناير 2015 وديسمبر 2025، وهي فترة شهدت ارتفاعًا حادًا في عدد الإعدامات، تم تنفيذ حكم الإعدام بحق 45 امرأة. ويقارب هذا الرقم ضعف عدد النساء اللاتي أُعدمن خلال الأحد عشر عامًا السابقة (2004–2014)، والذي بلغ 23 حالة. كما نُفذت ثلاث من هذه الإعدامات دون إعلان رسمي، مما يثير احتمال وجود حالات أخرى لم يُبلَّغ عنها.
أما القسط لحقوق الإنسان، ففي تقريرها المعنون "النساء في مواجهة عقوبة الإعدام في السعوديّة: اللامرئيّة والظلم البنيوي"، فتركّز على النساء اللواتي أُعدمْن أو اللواتي يواجهن حكم الإعدام خلال السنوات الثلاث الماضية، وتستكشف أشكال الظلم المتعددة، المرتبطة بالنوع الاجتماعي، والجنسيّة، والوضع الاقتصادي، التي أدّت إلى مواجهتهن عقوبة الإعدام في السعوديّة. وقد أُدينت معظمهن بتهم القتل، من دون مراعاة الظروف المخفِّفة مثل الخلفيات التي تتسم بالهشاشة أو التعرض للإساءة والعنف على أيدي الأقارب أو أصحاب العمل. كما واجهت أخريات تهمًا متعلقة بالمخدرات، لا سيما منذ عام 2024 حين بدأ تنفيذ أحكام الإعدام على هذه الجرائم يشهد ارتفاعًا ملحوظًا.
يسلّط التقريران الضوء على الصعوبة البالغة في الحصول على معلومات بشأن النساء المحكومات بالإعدام، وذلك بسبب الخوف والوصمة الاجتماعيّة، وتقاعس بعض السفارات، إضافةً إلى الافتقار الجوهري إلى الشفافيّة في البلاد. كما يبيّن التقريران أن غير السعوديات يشكّلن الغالبية من بين النساء الموثّق إعدامهن أو اللواتي يواجهن حاليًا عقوبة الإعدام، ومعظمهن عاملات منازل مهاجرات من دول مختلفة في أفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا.
وفي قضايا القتل، يواجه الأجانب عقبة كبيرة تتمثل في صعوبة تأمين الدية (وهي تسويّة مالية تقديرية قد يُنظر فيها في بعض القضايا التي تنطوي على مطالبات خاصّة)، حتى عندما تُبدي عائلات الضحايا استعدادها لمنح العفو. وغالبًا ما تتفاقم هذه الصعوبة بسبب الفقر، وانخفاض المكانة الاجتماعيّة، وضعف شبكات الدعم الاجتماعي التي تعاني منها العاملات المنزليات العاملات في المنازل الخاصّة. وبموجب نظام هجرة العمالة القائم على الكفالة في المملكة، يرتبط الوضع القانوني لإقامة هؤلاء العاملات بأصحاب عمل أفراد، الذين غالبًا ما يصادرون هواتفهن وجوازات سفرهن. ويحدّ ذلك بشدة من حريتهن في التنقل، ومن قدرتهن على الوصول إلى المساعدة القانونيّة أو القنصليّة، وكذلك من إمكانيّة الإبلاغ عن الانتهاكات دون الخوف من التعرض للانتقام.
وغالبًا ما ترتبط هذه القضايا بانتهاكات تعرّضت لها النساء، بما في ذلك العنف الجنسي والعنف الأسري. ومع ذلك، فإن ادعاءات العنف القائم على النوع الاجتماعي، والدفاع عن النفس، وظروف العمل الاستغلاليّة يتم تجاهلها بصورة متكررة من قبل القضاء. كما أن افتقار النظام القانوني في السعوديّة إلى قانون عقوبات مُدوَّن، وإتاحة المجال للقضاة (وهم من الرجال حصرًا) لممارسة سلطة تقديرية واسعة في إصدار الأحكام، يفتح المجال أمام تفسيرات ذاتية وجندرية للقانون تعكس بُنى أبوية متجذّرة بعمق.
وفي القضايا المتعلقة بالمخدرات، تواجه النساء أيضًا مجموعة من الانتهاكات لحقوقهن، من بينها الحرمان من الحصول على تمثيل قانوني فعّال، وغياب خدمات الترجمة الفورية عندما تُجرى الإجراءات القضائيّة بالكامل باللغة العربية، إضافةً إلى محدوديّة أو انعدام الدعم القنصلي، الأمر الذي يتركهن عاجزات عن الطعن في الاتهامات بشكلٍ فعّال أو الدفاع عن أنفسهن أمام المحاكم. كما أن غياب ضمانات المحاكمة العادلة يعني أن العوامل المخفِّفة، مثل تاريخ التعرض للإساءة أو الإكراه أو الاتجار بالبشر، نادرًا ما يجري النظر فيها على نحو جدي.
كما يتضمن تقرير القسط لحقوق الإنسان، شهادة مفصلة لامرأة أجنبية احتُجزت على خلفيّة تهم تتعلق بالمخدرات، ثم أُفرج عنها لاحقًا في حالة نادرة. وقد روت أنها حُرمت من الحصول على معلومات أساسيّة بشأن وضعها القانوني، وأُجبرت على توقيع وثائق باللغة العربية دون ترجمة أو حضور محامٍ. ولم يصبح الإفراج عنها ممكنًا إلا بفضل الجهود الاستثنائيّة التي بذلتها عائلتها في الخارج، والتي تمكنت من الحصول على تسجيلات كاميرات المراقبة في المطار، وأظهرت أن المخدرات قد زُرعت في أمتعتها.
ويضع التقريران نتائجهما في السياق الأوسع للنظام القانوني في السعوديّة، حيث غالبًا ما لا تفي الإجراءات القضائيّة بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. كما يشددان على التزامات المملكة بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي صادقت عليها عام 2000. وخلال مراجعتها لعام 2024، أعربت لجنة سيداو عن قلق بالغ إزاء استمرار تطبيق عقوبة الإعدام بحق النساء، ودعت السعوديّة إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام بحق النساء المحكومات بالإعدام.
إلى جانب ذلك، يسلّط التقريران الضوء على الدور غير المتّسق وغالبًا غير الكافي للدول المرسلة للعمالة. فكثيرًا ما تكون الحماية القنصليّة لمواطني هذه الدول الذين يواجهون تهمًا قد تؤدي إلى عقوبة الإعدام في السعوديّة متأخرة أو محدودة أو غائبة تمامًا. وتفتقر العديد من هذه الحكومات إلى الموارد الكافية أو الآليات المؤسّسيّة اللازمة لمتابعة أوضاع المحتجزين، وضمان وصول مبكر إلى المتهمين، أو تأمين تمثيل قانوني فعّال لهم. كما يُلاحظ في كثير من الأحيان غياب الإرادة السياسيّة اللازمة للتدخل. ومع ذلك، فقد قامت بعض الدول، مثل الفلبين ونيبال وإندونيسيا، في السنوات الأخيرة بتعليق إرسال العمالة إلى السعوديّة بشكل مؤقت بسبب تنفيذ أحكام الإعدام وغياب الضمانات الكافية، ما يُظهر أن الأدوات الدبلوماسية يمكن استخدامها عندما تتوافر الإرادة السياسيّة.
في ضوء هذه النتائج، تدعو القسط لحقوق الإنسان، والمنظمة الأوروبية السعوديّة لحقوق الإنسان، في تقريريهما إلى اتخاذ إجراءات عاجلة. وتشمل هذه الدعوات ما يلي:
إلى السلطات السعوديّة:
- اعتماد وقف فوري لتنفيذ أحكام الإعدام، ولا سيما في الجرائم غير العنيفة، إلى جانب إجراء مراجعة مستقلة للقضايا التي تنطوي على عقوبة الإعدام والمتعلقة بالنساء المهاجرات، والناجيات من العنف، وضحايا الاتجار بالبشر، بهدف تخفيف الأحكام أو الإفراج عنهن.
- ضمان إبلاغ جميع المحتجزين الذين يواجهون تهمًا قد تؤدي إلى عقوبة الإعدام على وجه السرعة بأسباب اعتقالهم، ومنحهم وصولًا فوريًا إلى محامين ومترجمين فوريّين عند الحاجة. كما يجب إخطار عائلاتهم والسلطات القنصليّة دون تأخير.
إلى الدول المرسلة للعمالة:
- ينبغي للسفارات وضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع حالات اعتقال ومحاكمة مواطنيها، ولا سيما النساء؛ وتعزيز آليّات الحماية القنصليّة؛ وضمان إبلاغ العائلات في الوقت المناسب.
- يجب أن تُعطي الجهود الدبلوماسيّة مع السعوديّة الأولويّة لحماية المواطنين على حساب الاعتبارات السياسيّة أو الاقتصاديّة. كما ينبغي توثيق حالات الإخفاق في الإخطار أو في توفير الوصول القنصلي بشكل رسمي، وإثارتها عبر القنوات الثنائيّة ومتعددة الأطراف.
إلى المؤسّسات الدولية والدول الشريكة:
- ينبغي لآليّات الأمم المتحدة تكثيف التدقيق في استخدام السعوديّة لعقوبة الإعدام، مع إيلاء اهتمام خاص لآثارها المرتبطة بالنوع الاجتماعي والهجرة، واعتبار الإخفاق في الإخطار القنصلي أو في ضمانات المحاكمة العادلة انتهاكًا للقانون الدولي.
- كما ينبغي للدول المنخرطة في تعاون دبلوماسي أو اقتصادي أو أمني مع السعوديّة أن تضمن ربط هذا التعاون بتحقيق تحسينات ملموسة في الشفافيّة، والإجراءات القانونيّة الواجبة، وحماية المتهمين الأكثر عرضةً للانتهاكات.