اليوم، 23 فبراير، تُطلق منظمة القسط حملةً تُسلّط الضوء على الفجوة بين الصورة الدولية المصاغة بعناية التي تروّج لها السعوديّة والواقع الحقوقي القاسي على الأرض. وتدعو الحملة الأعداد المتزايدة من الراغبين في زيارة المملكة أو الانخراط معها إلى عدم التستر على انتهاكات حقوق الإنسان أو تبييضها، كما تحثّ الحلفاء والجهات المعنيّة على اتخاذ خطوات عملية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان والأفراد المعرّضين للخطر.
في السنوات الأخيرة، وضمن استراتيجيّة لتنويع الاقتصاد، كثّفت السعوديّة انفتاحها على العالم، مستقطبةً المستثمرين الأجانب، والمشاهير في مجالي الرياضة والترفيه، والسياح. غير أن هذا الانفتاح الظاهري يتناقض بشكلٍ صارخ مع مناخ داخلي تسوده أجواء من الخوف والترهيب. وفي الوقت ذاته، عملت السلطات على تصدير صورة مُحكَمة الصياغة في الخارج تُوحي بالتقدّم والإصلاح، وهي صورة تتقوّض بشدة بفعل الانتهاكات الجسيمة والمستمرة لحقوق الإنسان.
في الوقت الذي تعمل فيه الهيئة السعوديّة للسياحة على استقطاب الزوار إلى المملكة عبر حملة #روح_السعوديّة، يخضع العديد من السعوديّين لقرارات حظر سفر تمنعهم من مغادرة البلاد. وبينما تُنظَّم فعاليات براقة ومربحة، من سباقات الفورمولا 1 إلى المهرجانات الدولية للأفلام والكوميديا، يقبع معتقلي رأي خلف القضبان على بُعد أميال قليلة بسبب ممارستهم حقهم في حرية التعبير والنشاط السلمي. وفي الوقت ذاته، تُنفَّذ أحكام الإعدام بأعداد قياسيّة، بما يشمل متهمين كانوا أطفالًا وقت ارتكاب الجرائم المنسوبة إليهم، وصحفيّين، وأجانب أُدينوا في قضايا مخدرات غير مفضية إلى الوفاة. وعلى الرغم من الادعاءات الرسميّة المناقضة لذلك، لا تزال النساء والعمال المهاجرون يواجهون تمييزًا متجذرًا وممنهجًا.
وعليه، تدعو القسط جميع من يفكّر في زيارة المملكة إلى إدراك هذا التناقض، كما تحثّ الحلفاء الحاليين والجدد والجهات المعنيّة على تكثيف تحركاتهم دعمًا لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في السعوديّة، وكثيرٌ منهم يُعدّون من المحرّكين الحقيقيين لمسار الإصلاح في البلاد، بمن فيهم المدافعون الشجعان عن حقوق الإنسان، والداعون إلى الإصلاح، والنقّاد السلميون.
كما ستعمل الحملة، بالتعاون مع منظمات غير حكومية شريكة وشبكات أخرى، على الجمع بين مناصرة موجّهة في الأوساط الخاصّة والعامة تستهدف طيفًا من أصحاب المصلحة، بمن فيهم منظمو الفعاليات ذات الصلة في السعوديّة والمشاركون فيها، إلى جانب جهود رفع الوعي واتخاذ إجراءات مرتبطة بقضايا محددة. وترحّب القسط بكل من يرغب في دعم الحملة أو معرفة المزيد عنها بالتواصل عبر البريد الإلكتروني: contact@alqst.org.
وفي إطار البرنامج الاقتصادي الذي تقوده الدولة تحت مسمّى "رؤية 2030"، جرى ضخ مبالغ طائلة في مشاريع عملاقة فاخرة، ومرافق سياحيّة، وفعاليات رياضية وترفيهيّة رفيعة المستوى. ورغم أن هذه المبادرات ليست إشكالية في حد ذاتها، وأن الشعب السعودي يستحق مثل هذه الفرص، فإن الجمهور لا يملك تأثيرًا يُذكر في كيفيّة تخصيص هذه الأموال. ويجري توجيه جزء كبير من الإنفاق عبر صندوق الاستثمارات العامة، الخاضع لسيطرة ولي العهد والحاكم الفعلي محمد بن سلمان، في كثير من الأحيان دون مراعاة كافية للاحتياجات اليومية للمواطنين. والأهم من ذلك، أن مثل هذه المبادرات قد تُستخدم أيضًا لصرف الأنظار عن الانتهاكات الراسخة لحقوق الإنسان، والمساهمة في إعادة تلميع الصورة العامة لمحمد بن سلمان، الذي واجه فترة وجيزة من العزلة والانتقاد الدولي على خلفيّة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي عام 2018.
وبالتالي، ستدعو الحملة الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين يفكّرون في زيارة السعوديّة أو الانخراط مع سلطاتها إلى ضمان عدم تورّطهم في تبييض الانتهاكات. فمن المشاهير والرياضيّين البارزين إلى المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي والمسافرين، تقع على عاتق الأفراد مسؤولية الإلمام بالوضع المتردّي لحقوق الإنسان في البلاد، واستخدام منصاتهم لتسليط الضوء على القضايا الملحّة والأشخاص المعرّضين للخطر. كما تتحمّل الشركات مسؤوليات محددة لضمان عدم التسبّب في أي آثار سلبيّة على حقوق الإنسان أو الإسهام فيها أو الارتباط بها من خلال عملياتها.
وتقرّ القسط بأن إثارة قضايا حقوق الإنسان علنًا أثناء التواجد داخل المملكة ليست آمنة أو ممكنة للجميع. فقد تعرّض أجانب، شأنهم شأن العديد من المواطنين السعوديّين، للاحتجاز التعسفي في السنوات الأخيرة، وفي بعض الحالات بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، توجد سبل متعددة لاستخدام النفوذ المتاح، وخلال الأشهر المقبلة ستعمل المنظمة على إعداد إرشادات مناسبة ومعلومات خلفية موجّهة إلى فئات مختلفة.
وفي السياق العالمي المتزايد التعقيد اليوم، يستمر الصراع بين الحق والباطل، وهو يتطلّب منا جميعًا قدرًا أكبر من المسؤوليّة والالتزام أكثر من أي وقتٍ مضى.