بعد سنوات من مقاومة الدعوات الواسعة للإفراج عن معتقلي الرأي في السعوديّة، بدأت السلطات، في أواخر عام 2024، بالإفراج عن العشرات من هؤلاء الأفراد. وقد أثار هذا التطوّر تساؤلات عديدة لدى المراقبين ومنظّمات حقوق الإنسان والصحفيّين وغيرهم، إذ ظلّت الدوافع الكامنة وراء هذه الإفراجات غير واضحة إلى حدٍّ بعيد، ولا يمكن فهمها بوصفها خطوات جادّة أو حقيقيّة نحو الإصلاح.
وفي الكثير من الحالات، كان المفرَج عنهم قد أنهوا بالفعل محكوميّاتهم، بل وتجاوزوها أحيانًا، قبل إطلاق سراحهم. ويُعدّ محمد فهد القحطاني، أحد الأعضاء المؤسّسين لجمعيّة الحقوق المدنيّة والسياسيّة في السعوديّة (حسم)، مثالًا بارزًا على ذلك؛ إذ أنهى كامل مدّة حكمه، وبدلًا من الإفراج عنه، تعرّض للاختفاء القسري لفترة مطوّلة، قبل إطلاق سراحه في نهاية المطاف بعد سنوات إضافيّة من الاحتجاز. وفي حالات أخرى، أنهى المعتقلون مدّة حكم أولى، ثم أُعيدت محاكمتهم وإدانتهم مرة ثانية، وقضوا الحكم الإضافي كاملًا، قبل أن يُفرج عنهم بعد أشهر أو حتى سنوات من انتهاء مدّته، كما في حالة عيسى النخيفي. وفي حالات أخرى، جرى تخفيف أحكام بالغة القسوة جزئيًّا نتيجة ضغوط دوليّة مكثّفة، ولا سيّما في قضية سلمى الشهاب. فقد اعتُقلت الشهاب في عام 2021 بسبب تغريدات نسويّة دعمت فيها مدافعات سعوديّات عن حقوق المرأة، وصدر بحقّها في البداية حكم بالسجن ست سنوات، قبل أن يُرفع لاحقًا إلى 34 عامًا في خطوة استثنائيّة. وأثار هذا الحكم موجة غضب عالميّة وحملات ضغط حقوقيّة متواصلة، انتهت في نهاية المطاف بتخفيض الحكم والإفراج عنها في عام 2025.
كما أُفيد، في عدة حالات، بأن الأفراد أُبلغوا بالإفراج عنهم على نحوٍ شخصي، من دون صدور أي إعلان رسمي عن عفو ملكي. ويُلاحظ على وجه الخصوص أن الملك سلمان لم يُصدر، في مستهل عهده، عفوًا ملكيًّا شاملًا أو علنيًّا يشمل جميع معتقلي الرأي، على خلاف ما جرت عليه العادة لدى ملوك سعوديّين سابقين.
وفي حالات أخرى، لم يُقدَّم أي تفسير على الإطلاق: فلم يُعلن عن عفو، ولم تُلغَ الأحكام رسميًّا، ولم تُقدَّم أي مبرّرات قانونيّة لعمليّات الإفراج. ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات بشأن الدوافع المحتملة وراء هذا التحوّل الظاهري في السياسة، إن جاز وصفه بذلك.
فمع تصاعد جهود المناصرة التي تقودها منظّمات مثل القسط وغيرها من منظّمات حقوق الإنسان، إلى جانب آليّات الأمم المتحدة، باتت الكلفة على صعيد العلاقات العامّة لاحتجاز أعداد كبيرة من المعتقلين السياسيّين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي السلميّين أكثر وضوحًا بالنسبة للسلطات السعوديّة. وقد تزامن ذلك مع طموح المملكة إلى تقديم نفسها بوصفها مركزًا عالميًّا للفعاليّات الاقتصاديّة والرياضيّة والترفيهيّة. وقد رافق الضغط الحقوقي معظم هذه المبادرات. فبدلًا من السماح باستخدام هذه الفعاليّات كوسائل لـ «تلميع سمعتها عبر الرياضة» أو «تلميع سمعتها عبر الترفيه» أو «تلميع سمعتها عبر الاقتصاد»، عمدت منظّمات مثل القسط إلى استغلالها كمنصّات لتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقيّة المستمرّة.
كما تجدر الإشارة إلى أن الأحكام الصادرة بحق معتقلي الرأي، في الكثير من الحالات، لم تكن جائرة فحسب، بل بلغت حدًّا من القسوة يُعدّ مفرطًا حتى وفق معايير الأنظمة الاستبداديّة. وتبقى قضيّة سلمى الشهاب من أوضح الأمثلة على هذا النمط.
وبالنظر إلى المستقبل، يُتوقّع أن تؤدّي الاستعدادات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم للرجال 2034 في السعوديّة، إلى جانب العديد من الفعاليّات الدولية الأخرى التي تستضيفها البلاد حاليًّا، إلى إخضاع سجل المملكة الحقوقي لتدقيق غير مسبوق. فقد يكون هذا الضغط المتزايد قد دفع السلطات إلى الإفراج عن عدد محدود من المعتقلين، مع الاستمرار في فرض قيود صارمة عليهم. وتشمل هذه القيود حظر السفر، والحرمان من فرص العمل، والإقامة الجبريّة في بعض الحالات، وتعليق الخدمات الحكوميّة والماليّة، وفي حالات معيّنة الإبقاء على أحكام سجن طويلة سارية من الناحية الشكليّة، وإن لم تُنفّذ حاليًّا. ونتيجة لذلك، يواصل العديد من المفرَج عنهم العيش في أوضاع تُشبه إلى حدٍّ بعيد الاحتجاز، على الرغم من الإفراج الرسمي عنهم.
كما يسلّط اختيار السلطات لهويّة من يتم الإفراج عنهم من معتقلي الرأي الضوء على منطقها الكامن. فالغالبيّة العظمى من المفرَج عنهم كانوا قد أنهوا بالفعل محكوميّاتهم أو اعتُقلوا ابتداءً من عام 2018 فصاعدًا. وفي الوقت نفسه، لا يزال العديد من المدافعين المخضرمين عن حقوق الإنسان خلف القضبان، ومن المتوقّع أن يقضوا سنوات إضافيّة من الاحتجاز الجائر. ويشمل هؤلاء أعضاء جمعيّة الحقوق المدنيّة والسياسيّة في السعوديّة (حسم) عيسى الحامد، ومحمد البجادي، وعمر السعيد؛ والإصلاحي من جدّة سعود الهاشمي؛ وكلًّا من وليد أبو الخير، وخالد العمير، ومحمد العتيبي.
من الضروري التأكيد أيضًا على أن الإفراج عن معتقلي الرأي عند انتهاء فترات سجن طويلة لا يُعدّ تنازلًا من جانب السلطات، بل هو حقٌّ أساسي. فضلًا عن ذلك، فإن الغالبيّة الساحقة من المفرَج عنهم لا تزال خاضعة لشروط شديدة التقييد تُقيِّد بشكل كبير حرّيّة تنقّلهم وفرص عملهم وقدرتهم على التواصل. أما أولئك الذين تعرّضوا لانتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب، والتحرّش الجنسي، والاختفاء القسري، والاحتجاز التعسّفي (وهو ما ينطبق على جميع معتقلي الرأي)، فلم يتلقّوا أي اعتذار، ولا أي تعويض، ولا أي إنصاف. كما لم يُحاسَب أيٌّ من المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
وأخيرًا، قد تعتقد السلطات أن هذه الشروط الغامضة والقمعيّة المفروضة بعد الإفراج، وما تولّده من خوف، كافية لضمان الصمت. وقد تُقدِّر أيضًا أن الإبقاء على عدد من النشطاء رهن الاحتجاز بأحكام جائرة، مع الإفراج عن آخرين تحت قيود صارمة تشمل حظر السفر، وتقييد فرص العمل، وضبط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والمراقبة الإلكترونيّة، من شأنه أن يخفّف الضغط الدولي وحملات المناصرة الحقوقيّة.
وعليه، لا بدّ من الوضوح التام: انتهاكات حقوق الإنسان في السعوديّة لم تنتهِ. ففي حين أن الإفراج عن بعض المعتقلين يُعدّ تطوّرًا مرحّبًا به ومصدر ارتياح، فإن استمرار احتجاز كثيرين غيرهم، إلى جانب القيود القاسية المفروضة على المفرَج عنهم، يثبت أن القمع لا يزال قائمًا، وإن اتخذ أشكالًا مختلفة. وتؤكّد هذه الحقيقة الحاجة الملحّة إلى مواصلة الجهود الحقوقيّة بشكل مستدام ومتواصل.